الغزالي

109

إحياء علوم الدين

لا محالة ، فإن الثواب بإزاء الأثر ، وكذلك المعصية وكم من فقيه يستهين بتعطيل يوم وليلة ، وهكذا على التوالي ، يسوف نفسه يوما فيوما إلى أن يخرج طبعه عن قبول الفقه . فكذا من يستهين صغائر المعاصي ، ويسوف نفسه بالتوبة على التوالي ، إلى أن يختطفه الموت بغتة ، أو تتراكم ظلمة الذنوب على قلبه وتتعذر عليه التوبة ، إذ القليل يدعو إلى الكثير ، فيصير القلب مقيدا بسلاسل شهوات لا يمكن تخليصه من مخالبها . وهو المعنى بانسداد باب التوبة . وهو المراد بقوله تعالى * ( وجَعَلْنا من بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا ومن خَلْفِهِمْ سَدًّا ) * « 1 » الآية . ولذلك قال عليّ رضي الله عنه ، إن الإيمان ليبدو في القلب نكتة بيضاء ، كلما ازداد الإيمان ازداد ذلك البياض ، فإذا استكمل العبد الإيمان ابيض القلب كله . وإن النفاق ليبدو في القلب نكتة سوداء ، كلما ازداد النفاق ازداد ذلك السواد ، فإذا استكمل النفاق اسودّ القلب كله فإذا عرفت أن الأخلاق الحسنة تارة تكون بالطبع والفطرة ، وتارة تكون باعتياد الأفعال الجميلة ، وتارة بمشاهدة أرباب الفعال الجميلة ومصاحبتهم ، وهم قرناء الخير ، وإخوان الصلاح إذ الطبع يسرق من الطبع الشر والخير جميعا . فمن تظاهرت في حقه الجهات الثلاث حتى صار ذا فضيلة طبعا واعتيادا وتعلما ، فهو في غاية الفضيلة . ومن كان رذلا بالطبع ، واتفق له قرناء السوء ، فتعلم منهم ، وتيسرت له أسباب الشر حتى اعتادها ، فهو في غاية البعد من الله عز وجل . وبين الرتبتين من اختلفت فيه هذه الجهات ، ولكل درجة في القرب والبعد بحسب ما تقتضيه صفته وحالته * ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه ُ ، ومن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه ُ ) * « 2 » * ( وما ظَلَمَهُمُ الله ، ولكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) * « 3 » بيان تفصيل الطريق إلى تهذيب الأخلاق قد عرفت من قبل أن الاعتدال في الأخلاق هو صحبة النفس ، والميل عن الاعتدال سقم ومرض فيها ، كما أن الاعتدال في مزاج البدن هو صحة له ، والميل عن الاعتدال مرض فيه . فلنتخذ البدن مثالا فنقول .

--> « 1 » يس : 9 « 2 » الزلزال : 7 و 8 « 3 » النحل : 33